يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

105

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

والذي ورد في القرآن أيضا من ذكر السنة والعام ينظر إلى هذا ، ألا ترى قوله تعالى : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : 4 ] وقوله : أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ السجدة : 5 ] ، لما كان في معرض التكثير والتفخيم لطول ذلك اليوم وهول ذلك المقام ؛ جاء بلفظ السنة التي هي أطول من العام . وكذلك قوله تعالى : حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [ الأحقاف : 15 ] لفظ السنة هنا أولى من لفظ العام ، لأنه مخبر عن اكتهال الإنسان وتمام قوّته واستوائه ، ولفائدة أخرى ، وذلك أنه خبّر عن السن ، والسن يعتبر بالسنين ، وأصل ذلك في الحيوان لأن النتاج والحمل يكون بالربيع والصيف المعتبر بالسنة الشمسية ، ألا تراهم يقولون : ربعي للكبير ، وصيفي للمؤخر ، كما قال الراجز : إنّ بنيّ صبية صيفيون * أفلح من كان له ربعيون واستعمل ذلك في الآدميين اتساعا وإن كان أصله في الحيوان ، يقال : ابن سنة وابن سنتين كما يقولون : ابن مخاض وابن لبون . وأما قوله تعالى : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [ لقمان : 14 ] فذلك لأن الرضاع من الأحكام الشرعية التي تعبدنا بها كالصيام والحج ، وذلك بالأهلة ، كما قال تعالى : قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة : 189 ] ، وكذلك قوله تعالى : يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً [ التوبة : 37 ] ولم يقل سنة ، لأنه يعني شهر المحرم وصفر وربيع إلى آخر العام ، ولم تكن العبادة ولا الشرع بأيلول ولا بتشرين ولا بينير ولا فبراير ، ولكل مقام مقال ، فسبحان الكبير المتعال . نقلت أكثر هذا الفصل من كتاب الأستاذ رحمه اللّه إلا يسيرا أدخلته فيه من غيره ، واللّه المخلص . وبقي من مشكل الآية قوله تعالى : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ [ الكهف : 25 ] قيل : معناه سيقولون ذلك ، وعلى هذا القول قراءة ابن مسعود : ( وقالوا لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين ) بزيادة ( قالوا ) ، وقيل غير ذلك ، واللّه أعلم بكتابه . تقدم ذكر الكهف وأهل الأندلس يزعمون أنه في بلادهم ، وذلك باطل ، والكهف إنما هو في الإقليم الخامس بين عمورية وأنقرة ، وهو جبل عظيم فيه كهف تحت الأرض ، وهو على أساطين وله باب من حجارة ، وفي داخله قوم أموات كأنهم أحياء مفتوحة أعينهم ، في ظلمة لا تستبان وجوههم إلا بالمصابيح ، وأجسامهم قد يبست وجلودهم لاصقة بالعظام ، وشعورهم باقية ، ولا يدخله أحد إليهم إلا أخذته هيبة عظيمة وفزع من هول منظرهم ، وعليهم موكلون يحفظون المكان لا يحدث عليهم حادث ، ذكر ذلك إسحاق ابن الحسن في بعض التواريخ .